يحيى العامري الحرضي اليماني
475
غربال الزمان في وفيات الأعيان
رجعنا إلى أخبار صلاح الدين بن أيوب ، وذلك أنه لما تقررت له قواعد الملك وقرت عينه باجتماع أبيه وإخوته وأولادهم ، وارتفعت عنه ربقة التحكم بموت العادل ، أقبل على البلاد ففتحها شيئا فشيئا ، ولما فرغ منها غزا بلاد الفرنج ، وأعانته ملوك عصره ، وبذل المال ، واستنقذ القدس من أيدي الفرنج ، وكانوا قد استولوا عليه في سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة « 1 » ، وكان فتحه فتحا عظيما شهده العلماء والصلحاء من الآفاق ، وكثر الضجيج والتضرع إلى اللّه سبحانه ، وكان قاعدة الصلح أن الفرنج قطعوا على أنفسهم على الرجل عشرين دينارا ، وعلى المرأة خمسة دنانير ، [ وعن كل صغير ذكرا أو أنثى دينارا واحدا ، فمن أحضر قطيعته نجا بنفسه ، وإلا أخذ أسيرا ] « 2 » ، ثم توغل في بلادهم مع الجد والعزيمة والتغرير بنفسه في المكاره . وكان موته بدمشق سنة تسع وثمانين وخمسمائة ، ودفن بمقابر الشهداء بالباب الصغير ، وكأن الناس لم تصبهم مصيبة قبله ، ورتب على قبره خدام ، وكثر الدعاء له . ولم يخلف ذهبا ولا فضة سوى سبعة وأربعين درهما مصرية . وكتب القاضي الفاضل حين موته إلى ولده الظاهر بحلب رسالة بديعة ، صدرها بقوله : ( لقد كان لكم في رسول اللّه أسوة حسنة ) ، ( إن زلزلة الساعة شيء عظيم ) . ومحاسن صلاح الدين كثيرة ، وكان كاسمه رحمه اللّه . وقد تقدم في ترجمة العادل عن بعض الأولياء أنه أخبر أن العادل من الأربعين ، وصلاح الدين من الثلاثمائة ، واللّه أعلم . ومدحه الشعراء بما يطول ذكره ، وقال فيه بعض شعراء المشرق : اللّه أكبر جاء القوس باريها * وراش أسهم دين اللّه راميها وكم لمصر على الأمصار من شرف * بيوسفين وهل أرض تدانيها فبابن يعقوب هزت جيدها طربا * وبابن أيوب هزت عطفها تيها
--> ( 1 ) كذا في ب ، وفي الأصل ومرآة الجنان 3 / 455 : سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة . ( 2 ) زيادة من مرآة الجنان 3 / 456 .